عمر فروخ
343
تاريخ الأدب العربي
إنّ من أضعف الضعاف لدى اللّه * قويّا يستضعف الضعفاء . أما فنون ابن الرومي وأغراضه فكثيرة جدا ، فله مديح وعتاب وفخر وتهديد وهجاء ، وله وصف وحكمة وغزل ونسيب ورثاء . وقد امتاز في معظم هذه الفنون ، وخصوصا في الفنون الوجدانية كالغزل والنسيب والرثاء والهجاء وفي الوصف خاصة . الوصف يغلب على جميع فنون ابن الرومي : أجاد ابن الرومي وصف الطبيعة بما فيها من حياة وأشجار وأطيار ، وأجاد وصف المطاعم والمشارب . على أنه امتاز بشيئين في وصفه امتيازا ظاهرا : إنه وصف لنا الحياة الدنيا كالبؤس والأطعمة والصناعات العادية . ثم إنه كان ميّالا في أوصافه إلى التشخيص : إلى أن يبعث في الموصوف حياة ويخلع على الأشياء المادية صفات الأشخاص العاقلين . فمن أوصافه الجياد المشهورة وصف العنب الرازقيّ ( وهو نوع ينمو في مدينة الطائف قرب مكّة ، حبته طويلة مجموعة في وسطها ، أعلاها أحمر وأسفلها أصفر ) : ورازقيّ مخطف الخصور * كأنه مخازن البلّور ، قد ضمّنت مسكا إلى الشّطور ، * وفي الأعالي ماء ورد جوري « 1 » لم يبق منه وهج الحرور * إلّا ضياء في ظروف النور . لو أنه يبقى على الدهور * قرّط آذان الحسان الحور « 2 » . وله أيضا وصف قالي الزلابية ، والزلابية نوع من الحلوى يصنع من العجين الرخو ويقلى بالزيت على شكل خطوط تتابع في استدارة وتتقاطع ثم يغمس في القطر ( السكّر المغلي في الماء ) : ومستقرّ على كرسيّه تعب ، * روحي الفداء له من منصب تعب « 3 » . رأيته سحرا يقلي زلابية * في رقّة القشر ، والتجويف كالقصب . كأنما زيته المقليّ حين بدا * كالكيمياء التي قالوا ولم تصب :
--> ( 1 ) ورد منسوب إلى مدينة جور في فارس ، وهو شديد الحمرة . ( 2 ) اتخذته النساء الجميلات أقراطا ( حلقا ) في آذانهن . ( 3 ) المنصب : الذي بلغ منه الهم والاعياء ( تلاشي القوى من بدل الجهد - بضم الجيم ) مبلغا عظيما . التعب ( بكسر العين ) : المتعب ( بضم الميم وفتح العين ) : الذي مر عليه وقت طويل لم يسترح فيه .